في دُستورِ العَلاقاتِ، هُناكَ كِذبَةٌ كُبرى يُؤمِنُ بِها الجَميعُ: “الَّذي يَرحَلُ أوَّلًا، لا يَتألَّمُ.” يَظُنّونَ أنَّ صاحِبَ القَرارِ يَملِكُ قَلبًا مِن حَديدٍ، يَلتَفِتُ ويَسيرُ نَحوَ غَدِهِ دونَ أن يَهتَزَّ، بَينَما الحَقيقَةُ المُرعِبَةُ هي أنَّ حُزنَ الطَّرَفِ الَّذي طَلَبَ الانفِصالَ قَد يَكونُ أشَدَّ فَتكًا، وأعمَقَ جُرحًا، وأكثَرَ تَمزيقًا مِن حُزنِ الطَّرَفِ المَتروكِ.
الطَّرَفُ الآخَرُ يَتألَّمُ، نَعَم، وحُزنُهُ مَشروعٌ؛ فَقَد صُدِمَ بِالغِيابِ، لَكِنَّهُ على الأقَلِّ يَملِكُ الحَقَّ في أن يَغضَبَ، ويَملِكُ الحَقَّ في أن يَلعَبَ دَورَ الضَّحِيَّةِ، ويُعاتِبَ الظُّروفَ أو يُلقِيَ بِاللَّومِ كُلَّهُ عَلَيكَ. أمَّا أنتَ؟ أنتَ لا تَملِكُ هذا التَّرَفَ. أنتَ تَحتَرِقُ بِصَمتٍ خَلفَ قِناعِ “القَوِيِّ” الَّذي اختارَ النِّهايَةَ.
حُزنُكَ أقوى؛ لأنَّهُ مَشوبٌ بِالذَّنبِ، وبِالمَسؤوليَّةِ، وتِلكَ الحَربِ الطَّاحِنَةِ بَينَ عَقلِكَ وقَلبِكَ:
• أنتَ لَم تَرحَلْ لأنَّكَ تَوَقَّفتَ عَنِ الحُبِّ، بَل رَحَلتَ لأنَّ البَقاءَ أصبَحَ يَقتُلُكَ بِبُطءٍ.
• حُزنُكَ يَكمُنُ في أنَّكَ اضطُرِرتَ لِكَسرِ قَلبٍ تُحِبُّهُ، لِكَي تَحمِيَ ما تَبقّى مِن روحِكَ.
• أنتَ تَعيشُ لَوعَةَ الفِراقِ، ومَعَهَا جَلدَ الذَّاتِ المُستَمِرَّ؛ تَسأَلُ نَفسَكَ في عَتمَةِ اللَّيلِ: “هَل كُنتُ قادِمًا على ذَبحي وذَبحِهِم؟ هَل أنا الشِّرِّيرُ في هذِهِ الرِّوايَةِ؟”
أن تَكونَ أنتَ مَن طَلَبَ الانفِصالَ يَعني أن تَبكِيَ في الخَفاءِ؛ لأنَّكَ لا تَملِكُ الحَقَّ في إظهارِ انكِسارِكَ. كَيفَ تَشكو وَجعًا أنتَ مَن صَنَعتَهُ بِيَدِكَ؟ كَيفَ تَصرُخُ مِن جُرحٍ أنتَ مَن أمسَكَ بِالسِّكِّينِ لِفَتحِهِ؟
“أشَدُّ أنواءِ الفِراقِ وَجعًا، هو أن تَمشِيَ مُبتَعِدًا وأنتَ تَلتَفِتُ وَراءَكَ في كُلِّ خُطوَةٍ، مُتَمَنِّيًا لَو أنَّ شَيئًا واحِدًا يَتَغَيَّرُ لِيُعيدَكَ، لَكِنَّكَ تَعلَمُ أنَّ العَودَةَ انتِحارٌ.”
هُوَ لَيسَ مُجَرَّدَ تَخَطِّي شَخصٍ؛ هُوَ تَخَطِّي لِقَرارِكَ، وتَخَطِّي لِمَلامِحِ وَجعِهِم الَّتي طُبِعَت في ذاكِرَتِكَ لَحظَةَ الوَداعِ، وتَخَطِّي لِلشُّعورِ بِأنَّكَ هَدَمتَ بَيتًا كُنتَ تَبنيهِ بِحُبٍّ. الطَّرَفُ الآخَرُ يُداوِي جُرحَ الغِيابِ، أمَّا أنتَ، فَتَقِفُ وَحيدًا تُداوِي جُرحَ الغِيابِ، ومَرارَةَ القَرارِ، وثِقَلَ الذَّنبِ الَّذي سَيَبقى يُرافِقُكَ كَظِلِّكَ لِفَترَةٍ طَويلَةٍ جِدًّا.
