هذا الصَّباحُ غريبٌ… يُشبه شعورًا ظننته دُفِن منذ زمن.
لِماذا كان لا بُدَّ لكِ أن تتطفَّلي على تفاصيل حياتي، وعائلتي، ومخاوفي، وجروحي، حتى تُحبِّيني أو تُسمِّي ما بيننا صداقة؟ وحين أذنتُ لكِ بالدخول إلى أكثر الأماكن حُرمةً في داخلي، وشاركتُكِ ما كنتُ أكره البوح به، فعلتُ ذلك لأنَّ حُبَّكِ كان أكبر من كرهي لكلِّ هذا الانكشاف.
سمحتُ لكِ أن تقتربي، وأن تلمسي قلبي وجروحي، وأخبرتُكِ بعُقَدي كلِّها، لعلَّكِ تكونين الدواء الذي يُرمِّم ما تهدَّم في داخلي… يا لَخَيْبَةِ أملي فيكِ يا قمري.
لقد أصبتِني في مقتل، يا مَن اعتدتُ أن أُناديها قمري. جرحتِ قلبًا لم يعرف معكِ إلا الحنان، وأحبَّكِ بكلِّ ما يملك، حبًّا أُقسم أنَّه لم يكن له شبيه.
لِماذا؟
كيف استطعتِ أن تستري خطأكِ وجرحكِ العنيف خلف عبارة: «ما قصدتُكِ… كنتُ فقط أُخفِّف عنكِ»؟
آهٍ… من وَقْعِ تلك الكلمات. ما كان تبريركِ بلسمًا، بل كان سكينًا آخر غُرِس في المكان نفسه. لم يُخفِّف عنِّي، بل زادني ألمًا، وكأنَّ جُرحي لم يكن كافيًا.
لا أُنكر أنَّكِ اعتذرتِ، لكن دعيني أكون صادقةً معكِ، وقبل ذلك مع نفسي… لن أعود إليكِ.
آسفة، كما تُحبِّين أن تصفيني: «زَعُولة». لكنَّ الأمر لم يكن زعلًا أبدًا، بل كان انكسارًا. لقد كسرتِ شيئًا في داخلي كنتُ أظنُّه لن ينكسر مرَّةً أخرى. أعدتِني إلى نقطةٍ قضيتُ سنواتٍ أهرب منها، وأقسمتُ ألَّا أعود إليها.
أتيتُكِ وأنا أرتجف من الخوف، أحملُ قلبي بين يديَّ، أبحثُ عن الأمان… فلم تحتويني، ولم تُطمئنيني، ولم تُخفِّفي عنِّي شيئًا. بل أشعلتِ في داخلي خوفًا كنتُ قد دفنته، وخذلتِ الأمان الذي كنتُ أضعه فيكِ دون تردُّد.
أتعلمين؟
أنا لا أندم على حُبِّي لكِ، ولا على صدقي معكِ. لم أندم يومًا على شعورٍ خرج من قلبٍ صادق.
لكنِّي أندم لأنَّكِ لم تكوني أهلًا لكلِّ ذلك.
أخذتِ موقفًا أكبر من حجمه، وضخَّمتِ كلَّ شيءٍ بسبب طلبي للابتعاد. وكيف لا أطلب البُعد، وأنا لم أعُد أشعر بالأمان معكِ؟ وكيف تريدين منِّي أن أنسى كلَّ هذا لأنَّكِ تقولين: «لم أقصد»؟
ليتَ الأمر بهذه السهولة.
ما زال جزءٌ منِّي يُحبُّكِ… لكنَّ قلبي، بعد كلِّ ما فعلتِ به، لم يعُد يسمح لي بالعودة إليكِ.
لقد قتلتِ في داخلي القدرة على الوثوق، وتركتِني أُحارب نفسي كلَّ ليلة، أُرمِّم إنسانةً كنتِ أنتِ أوَّل مَن ساهم في تحطيمها.
ولذلك…
لن أعود، ليس كِبرًا، ولا عقابًا لكِ… بل لأنَّ ما انكسر في داخلي على يديكِ، لم يعُد قابلًا للإصلاح.
