إِنَّنَا لَا نَفْقِدُ الأَشْخَاصَ دَائِمًا بِالمَوْتِ؛ فَالمَقَابِرُ لَيْسَتِ المَكَانَ الوَحِيدَ لِلرَّاحِلِينَ. هُنَاكَ مَقَابِرُ تَنْمُو بِبُطْءٍ فِي زَوَايَا الغُرَفِ المُشْتَرَكَةِ، وَفِي الرَّسَائِلِ الَّتِي بَاتَتْ تُكْتَبُ بِدَافِعِ الوَاجِبِ لَا الشَّغَفِ. إِنَّهَا خَطِيئَةُ "التَّحَوُّلَاتِ غَيْرِ المَرْئِيَّةِ"؛ الاِسْتِيقَاظُ ذَاتَ صَبَاحٍ لاِكْتِشَافِ أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي تُحِبُّهُ قَدْ غَادَرَ العَلَاقَةَ مُنْذُ أَشْهُرٍ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَنْ يَأْخُذَ جَسَدَهُ مَعَهُ. كَيْفَ يَتَحَوَّلُ شَخْصٌ كَانَ يَقْرَأُ صَمْتَكَ، وَيَرَى مَا وَرَاءَ كَوَالِيسِ حُزْنِكَ المَخْفِيِّ، إِلَى غَرِيبٍ تَمَامًا لَا يَفْهَمُ حَتَّى كَلَامَكَ المَشْرُوحَ؟ أَصْعَبُ أَنْوَاعِ الوَدَاعِ هُوَ ذَاكَ الَّذِي يَحْدُثُ دُونَ لَوْحَةِ قِطَارٍ، وَدُونَ حَقَائِبِ سَفَرٍ، وَدُونَ تَلْوِيحٍ بِالأَيْدِي؛ إِنَّهُ الوَدَاعُ الصَّامِتُ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ يَتَقَاسَمَانِ ذَاتَ المَكَانِ، لَكِنَّ بَيْنَ رُوحَيْهِمَا مَجَرَّاتٍ مِنَ الجَفَاءِ المُسْتَتِرِ.
العَلَاقَاتُ الإِنْسَانِيَّةُ لَا تَنْتَهِي فِي الغَالِبِ بِصَرْخَةٍ مُدَوِّيَةٍ أَوْ بِشِجَارٍ حَادٍّ يُغْلَقُ خَلْفَهُ البَابُ بِعُنْفٍ، بَلْ تَنْتَهِي بِالتَّآكُلِ الصَّامِتِ. تَبْدَأُ النِّهَايَاتُ بِتِلْكَ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي نَتَجَاوَزُ عَنْهَا عَمْدًا خَوْفًا مِنَ المُوَاجَهَةِ، أَوْ ظَنًّا مِنَّا أَنَّهَا مُجَرَّدُ سَحَابَةِ صَيْفٍ عَابِرَةٍ. تَبْدَأُ عِنْدَمَا يَصْبَحُ السُّؤَالُ اليَوْمِيُّ عَنِ الحَالِ مُجَرَّدَ رُوتِينٍ آلِيٍّ يَفْتَقِرُ إِلَى اللَّهْفَةِ، وَتَتَحَوَّلُ الكَلِمَاتُ الدَّافِئَةُ إِلَى مُجَامَلَاتٍ بَارِدَةٍ وَمُقْتَضَبَةٍ. هَذَا التَّآكُلُ يُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ قَطَرَاتِ المَاءِ الَّتِي تَنْحِتُ الصَّخْرَ الأَصَمَّ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ لَا تُلاحِظُهُ العَيْنُ المُجَرَّدَةُ، حَتَّى يَسْتَيْقِظَ المَرْءُ يَوْمًا لِيَجِدَ أَنَّ الجَبَلَ قَدِ انْقَسَمَ إِلَى نِصْفَيْنِ فَارِقَيْنِ. فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ، يُمْسِي الحُضُورُ بَاهِتًا كَلَوْحَةٍ قَدِيمَةٍ بَهَتَتْ أَلْوَانُهَا تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ، وَيَنْتَهِي خَلْفَهَا كُلُّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ يَمْلِكَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ الشَّجَاعَةَ الكَافِيَةَ لإِعْلَانِ الوَفَاةِ الرَّسْمِيَّةِ لِلْحِكَايَةِ.
وَهُنَا يَتَجَلَّى مَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ "المَوْتِ الصَّغِيرِ"؛ وَهُوَ أَنْ تَلْتَفِتَ إِلَى جَانِبِكَ فَتَجِدَ المَلَامِحَ ذَاتَهَا، وَنَبْرَةَ الصَّوْتِ ذَاتَهَا، وَالاِسْمَ ذَاتَهُ، لَكِنَّ الطَّمْأْنِينَةَ الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُ تِلْكَ المَلَامِحَ قَدْ تَخَرَّبَتْ وَتَلَاشَتْ. كَمْ هُوَ مُوحِشٌ وَمُرْبِكٌ أَنْ يَشْعُرَ الإِنْسَانُ بِالْوَحْدَةِ العَمِيقَةِ وَهُوَ فِي رِفْقَةِ شَخْصٍ مَا! إِنَّهَا وَحْدَةٌ أَشَدُّ قَسْوَةً وَبُؤْسًا مِنْ عُزْلَةِ الجُدْرَانِ الأَرْبَعَةِ الصَّامِتَةِ، لِأَنَّهَا تُذَكِّرُكَ فِي كُلِّ ثَانِيَةٍ بِالاِمْتِلَاكِ وَالضَّيَاعِ فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ تُرِيكَ مَا كُنْتَ تَمْلِكُهُ يَوْمًا وَكَيْفَ أَصْبَحَ الآنَ بَعِيدَ المَنَالِ وَأَنْتَ تَلْمَسُهُ بِيَدِكَ. تَصْبَحُ الأَجْسَادُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ مُجَرَّدَ شَوَاهِدِ قُبُورٍ لِعَوَاطِفَ كَانَتْ يَوْمًا تَضِجُّ بِالحَيَاةِ وَالحَرَكَةِ، وَيُمْسِي العِتَابُ بِلَا جَدْوَى وَبِلَا مَعْنًى، لِأَنَّكَ لَا تُعَاتِبُ غَرِيبًا تَجْهَلُهُ، بَلْ تُعَاتِبُ ظِلًّا بَاهِتًا لِشَخْصٍ كَانَ يَعْرِفُكَ بِدِقَّةٍ ثُمَّ اخْتَارَ أَنْ يَنْسَاكَ.
إِنَّ هَذَا الغِيَابَ المُسْتَتِرَ يُورِثُ فِي النَّفْسِ نُدُوبًا غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ، تَجْعَلُ المَرْءَ يُعِيدُ النَّظَرَ فِي جَدْوَى التَّمَسُّكِ بِالوُعُودِ القَدِيمَةِ. فَالإِنْسَانُ حِينَ يُدْرِكُ أَنَّ مُحَاوَلَةَ التَّمَسُّكِ بِحَبْلٍ ذَائِبٍ لَنْ تَزِيدَ كَفَّيْهِ إِلَّا جُرُوحًا وَتَصَدُّعًا، يَبْدَأُ فِي البَحْثِ عَنْ طَرِيقٍ لِلْخَلَاصِ الرُّوحِيِّ. عِنْدَهَا، يَتَحَوَّلُ الاِنْسِحَابُ مِنْ مُحَاوَلَاتِ الإِنْقَاذِ اليَائِسَةِ إِلَى هُدُوءٍ مُقَدَّسٍ، وَتَتَحَوَّلُ المَسَافَاتُ مِنْ عِقَابٍ مَفْرُوضٍ إِلَى مَلَاذٍ آمِنٍ يُسْتَعَادُ فِيهِ التَّوَازُنُ المَفْقُودُ. نَصِلُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى مَرْحَلَةِ النُّضْجِ الشُّجَاعِ؛ حَيْثُ نَقْبَلُ فِكْرَةَ أَنَّ بَعْضَ الأَرْوَاحِ تَلْتَقِي لِتَقْطَعَ مَعَنَا شَوْطًا مُحَدَّدًا مِنْ عُمْرِ الطَّرِيقِ، ثُمَّ تَنْحَرِفُ مَسَارَاتُهَا تِلْقَائِيًّا؛ لَيْسَ لِأَنَّنَا أَخْطَأْنَا فِي حَقِّهَا، بَلْ لِأَنَّ الرِّحْلَةَ المُشْتَرَكَةَ قَدْ نَفِدَتْ صَلَاحِيَّتُهَا وَانْتَهَى دَوْرُهَا فِي صَقْلِ حِكَايَتِنَا. نَتْرُكُهُمْ يَرْحَلُونَ بِسَلَامٍ وَبِصَمْتٍ، لَا كَأَعْدَاءٍ يُكِنُّونَ الضَّغِينَةَ، بَلْ كَأَشْخَاصٍ عَبَرُوا يَوْمًا مِنْ أَرْضِنَا، وَتَرَكُوا وَرَاءَهُمْ دُرُوسًا بَلِيغَةً مَطْبُوعَةً فِي أَعْمَقِ زَوَايَا الذَّاكِرَةِ.
